قد سفينتك بنفسك
(المعرفة لا تكفي بدون تطبيقها, كما أن الرغبات لا تكفي بدون العمل على تحقيقها) جويث.
حياة بلا أهداف هي الموت بعينه, وأهداف بلا تخطيط هي الفشل بذاته, فالهدف مهما كان عظيمًا وممكنًا ومشروعًا ومحددًا إن لم تتم صياغته على هيئة خطوات عملية تقود نحو الهدف كان مجرد آمال وأماني، وفي هذا الأمر الناس صنفان: صنف حدد أهدافه ووضعها نصب عينيه, ثم تبع ذلك تخطيطٌ دقيقٌ شاملٌ لتحقيق ذلك الهدف, فهؤلاء هم أهل الجد والعزائم, يتصفون بما وصف به ابن الجوزي أهل الصفوة فيقول عنهم:
(مذ تيقظوا ما ناموا, ومذ سلكوا ما وقفوا, فهمهم صعود وترق), فهمهم صعود مرسوم بناء على خطة تصف الطريق بخطواته، وتضع في الحسبان العوائق الموجودة في الطريق، وتعمل على حلها حتى يفوزوا في النهاية بهدفهم المنشود.
أما على الجانب الآخر, فهناك أهل التسويف والبطالة الذين رسموا أحلى الأهداف في مخيلتهم, ولم يخطوا خطوةً واحدةً في سبيل تحقيقها, فهؤلاء لم ولن ينجحوا إلا في رسم طريق مميز نحوالفشل الذريع، فتعالَ معي ـ عزيزي القارئ ـ لكي تتعلم كيف تقود سفينة حياتك بنفسك, وترسم لوحة أهدافك بفرشاتك أنت.
الدوامات الأربعة للفشل:
لقد خلق الله سبحانه وتعالى الكون على نظام دقيق شامل لا مكان فيه للفوضى والاضطراب, قال سبحانه: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا}[الفرقان : 2], وخلق الله الإنسان فاستخلفه في الأرض لإعمارها, وحتى يتسنى للإنسان إعمار هذه الأرض لابد له من اتباع ما خلق الله به الكون من نظام دقيق لا فوضى واضطراب؛ لكي يكون له النجاح والريادة لا الفشل والخذلان، فاحذر ـ وأنت تقود سفينة حياتك نحو هدفك ـ من دوامات الفشل المهلكة ومن أهمها ما يلي:
1. التهاون في استثمار الوقت:
وهي أشد الدوامات فتكًا لأن اللحظة التي تمر لن تعود أبدًا, وكما ورد في الأثر أنه ما من يوم ينشق فجره إلا ومناد ينادي: (يا ابن آدم، أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد، لا أعود لك إلى يوم القيامة؛ فتزود مني بخير), فالعاقل من غنم سويعات حياته في كل خير, والساذج من سلم زمام حياته لهواه يصرفه حيث شاء.
2. عدم ترتيب الأولويات:
فتجد الشخص ينشغل عن هدفه بالتوافه, فيصرف طاقته في الصغائر ويفرط في العظائم, واسمع لهذه الكلمة البليغة من الدكتور عوض القرني في كتابه "حتى لا تكون كلًّا": (واعلم أن صغار الأمور رجالها في الحياة كثير والزحام عليها شديد, أما معالي الأمور وعظائمها فطريقها شبه خالٍ من السالكين؛ فيممه إن كنت ذا همة وعزيمة).

3. عدم وضع خطة واضحة:
فحال ذلك الشخص كرجل يمخر عباب البحار بغير خريطة أو بوصلة, فهل تظنه يصل إلى بر الأمان, فيكون كورقة شجر في مهب الريح, يقول مؤلف كتاب "فلسفة الانضباط": (التصرف بدون خطة هو سبب كل فشل).
4. التهاون في تنفيذ التخطيط:
فكثيرًا ما تجد أناسًا يبرعون في وضع الخطط للوصول لأهدافهم, ولكن عند التنفيذ تجدهم في آخر الصفوف؛ ذلك لأنهم بمجرد أن يتعرضوا لعقبة صغيرة تعوق طريقهم, تصيبهم خيبة أمل, فيؤول بهم الحال إلى التوقف, كمن زرع زرعًا ولم يحصده, ولهؤلاء أذكرهم بوالت ديزني الذي فصلوه من جريدة كان يعمل بها بحجة أنه لم يكن مبتكرًا، وهو نفسه الذي ابتكر تلك الشخصيات الكرتونية التي ذاع صيته في كل أرجاء العالم حتى يومنا هذا.
وهذه الدوامات الخمس السابقة هي أهم أسباب الفوضى والارتجالية في المسير نحو الهدف, والمتأمل في دوامات الفشل تلك سيجد أن كلها قد تجمع في سبب واحد ألا وهو غياب التخطيط السليم, فتعالَ لنرى ما هوالتخطيط السليم؟ وما أهميته؟
الأركان الأربعة للتخطيط الناجح:
يمكننا أن نعرف التخطيط تعريفًا مبسطًا سهلًا فنقول أنه استخدام الوسائل الممكنة لتحقيق الأهداف المنشودة من خلال خطة محكمة.
وهذا يستدعي الإلمام بالأمور الآتية :
1. حجم الوسائل المطلوبة.
2. معرفة أهمية كل وسيلة.
3. معرفة وتحديد مكان كل وسيلة من العمل.
4. ضبط الوقت الذي يحتاج فيه إلى كل وسيلة.
ولنضرب لذلك مثالًا, إن أردت أن تحصل على درجة الماجستير في الهندسة الميكانيكية من جامعة هامبورج, فستكون الوسائل المطلوبة هي تعلم اللغة الألمانية وإتمام بكالوريوس الهندسة الميكانيكية من جامعتك، ومراسلة الجامعة الألمانية والبدء في التحضير للماجستير, ثم معرفة أهمية كل وسيلة من هذه الوسائل في تحقيق الهدف, وبناءً على أهميتها يكون ترتيب الوسائل ومعرفة مكان كل وسيلة من العمل، وضبط الوقت الذي تحتاجه كل منها.
التخطيط لماذا؟
هناك مقولة إدارية شهيرة تقول: (إذا فشلت في التخطيط، فقد خططت للفشل), فمسألة التخطيط تعتبر هي مفترق الطرق للطامحين من أجل بلوغ أهدافهم, فكما ذكرنا سابقًا من أتم أهدافه بوضع خطة لتحقيقها فهذا هو بالغ مراده, أما من وضع الأهداف ولم يخطط لتحقيقها, فهوكمن ينتظر السماء كي تمطر ذهبًا.
وتأمل في هذه المثال، فقد قامت جامعة يال الأمريكية "Yale" بعمل بحث يضم خريجي إدارة الأعمال الذين تخرجوا منها منذ عشر سنوات, وفي محاولة منها لاكتشاف منهجية النجاح لديهم, وجدوا أن 3% فقط من العينة هم الذين قاموا بالتخطيط لأهدافهم, وهؤلاء كانوا يربحون عشرة أضعاف دخل باقي العينة.
إذًا الذين يخططون هم الذين يشعرون في النهاية بحلاوة الإنجاز, وبالتالي يصلون إلى أهدافهم, وكما يقول "ستيفن سي بول": (كل خطوة تخطوها يجب أن تدفعك في اتجاه تحقيق هدفك), فكن أنت قائد سفينة حياتك, ولا تتركها تتأرجح في مهب الريح.
ولنا في سيد الخلق قدوة:
{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب:21]،لم أجد وأنا أبحث عن مثال وقدوة للتخطيط خير من نبينا محمد صلى الله عليه وسلم, فعلى الرغم من تأييد الله له بالنصر الذي وعده، وتوكله التام على الله سبحانه وتعالى, لم يمنعه كل ذلك أن يستفرغ الوسع في التخطيط، فكان قدوة لأصحابه في التخطيط والأخذ بالأسباب.
فها هو النبي صلى الله عليه وسلم, وهو في هجرته المباركة يخرج من مكة وهدفه بلوغ المدينة, واضعًا في ذهنه خطة محكمة للوصول إليها, فيخرج من مكة في جنح الظلام, وبدلًا من أن يقصد المدينة مباشرة جهة الشمال, يتجه جهة الجنوب خداعًا للمشركين, ويمكث في غار ثور ثلاثة أيام، حتى إذا ما يأس الكفار من إدراكه, انطلق إلى المدينة.
كما اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم خلال هجرته إلى المدينة تدابير خططية محكمة منها؛ أنه كان يرسل عبدالله بن أبي بكر إلى مكة؛ ليعلم أخبار قريش وما يدبرونه للحاق به, ومنها أيضًا أنه كان يستعين بعامر بن فهيرة الراعي؛ ليطمس آثار أقدام النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبي بكر رضي الله عنه وغيرها من التدابير المحكمة التي لا تتنافى مع معنى التوكل مع الله.
فالمتأمل في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم يجد أنه قد أصَّل لمعنى التخطيط والأخذ بالأسباب في كثير من مواقف حياته مع تمام التوكل على الله.
وختامًا:
لعلك الآن وقد صحبتنا إلى نهاية هذه الخطوة المباركة على طريق إنجاز أهدافنا والنجاح في حياتنا، قد أدركت أن الخطوة الرئيسية على طريق النجاح هي أن يكون لديك "سيناريو" واضح لحياتك المستقبلية.
ولكي تستطيع تحويل هذا "السيناريو" إلى واقع تحتاج إلى أن تحذر من دوامات الفشل التي قد تهلك سفينة حياتك، أو على أقل تقدير تحرفها عن بلوغ هدفها, ولذا؛ لابد لك من تخطيط دقيق للوصول إلى أهدافك, تخطيط يستغل الوسائل الممكنة؛ لتحقيق الأهداف المنشودة من خلال خطة محكمة.
ورأينا خير قدوة في التخطيط ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ فمع تمام توكله على الله, أعدَّ العدة ووضع الخطة المحكمة لهجرته المباركة, فهيا كي نسير على دربه ودرب من خططوا لحياتهم، ونحن ننشد مع الشاعر:
وما نيل المطالب بالتمــني ولكن تأخذ الدنيا غلابًا
وما استعصى على قوم منال إذا الإقدام كان لهم ركابًا

أهم المراجع:
1. حتى لا تكون كلًّا, د.عوض القرني.
2. كيف تخطط لحياتك, د.صلاح صالح الراشد.
منقووووووووول