خطة الهجرة
كانت رؤية الرسول e جلية، وإستراتيجيته واضحة، وهي الذهاب إلى المدينة لإقامة الدولة الإسلامية؛ لأنه بدون دولة لن يكون هناك إسلام، ولن تكون هناك دعوة.
وكان الرسول e ينتظر الإذن بالتنفيذ، فجاءه الوحي بالإذن للخروج وبداية العمل، وكانت هذه هي اللحظة التي ينتظرها الرسول بفارغ الصبر.
جلس الرسول e وأبو بكر رضي الله عنه ليرسما معالم خطة الهجرة، وما الخطة إلا هدف، ووسائل لتحقيقه، ووقت لتنفيذه؛ فكانت معالم الخطة كالتالي:
أما الهدف فواضح بيِّن، ولكن كيف السبيل والمشركون يتربصون؟
- وكان القرار بمبيت "علي" في فراشه e لإيهامهم بأنه النبي، وإشغالهم بذلك ريثما يتمكن النبي وأبو بكر من الابتعاد عن مكة والوصول إلى غار ثور.
- ثم الخروج من دار أبي بكر باتجاه الجنوب؛ فقد كان الرسول e يعلم أن أهل مكة سيقلبون الأرض بحثًا عنه، فاختار طريق اليمن جنوبًا، بدلاً من الطريق الشمالي إلى يثرب.
- وحددا غار ثور مكانًا للمكوث فيه 3 أيام حتى تخف حدة المطاردة، وواعدا الدليل أن يأتيهما هناك، ومعه الراحلتان اللتان جهزهما أبو بكر.
- وبعد ذلك يتم التوجه بصحبة الدليل الماهر عبر طريق وعر غير متوقع إلى المدينة.
هذه هي الخطوط العريضة للخطة التي رسمها الرسول e مع أبي بكر رضي الله عنه قبل خروجهما، وتم تشكيل فريق العمل، وتوزعت المهام كالتالي:
الرفيق والصاحب والمستشار والمدير والمنفذ.
أبو بكر الصديق
- التمويه: بأن ينام في فراش النبي e ليلة الهجرة ليوهم المتآمرين بأنه النبي.
- رد الأمانات: فنحن أصحاب رسالة، وهيهات أن ننسى مبادئنا في حمأة صراعنا مع أعدائنا.
علي بن أبي طالب
العين التي تعرف أخبار قريش، وتوصلها إلى الرفيقين في الغار، وكان يأتيهما بعد حلول الظلام، ويبيت عندهما، ثم يدلج بسحر.
عبد الله بن أبي بكر
- توفير الغذاء: بأن يأتي بالغنم، فيريحهما على مقربة من الغار، فيحلب منها الرفيقان.
- التغطية على آثار ابن أبي بكر: بأن يتبع بغنمه أثره.
عامر بن فهيرة
إعداد سفرة الطعام التي سيقتات عليها المسافران في الطريق الطويل.
أسماء بنت أبي بكر
الدليل الماهر الأمين الذي سيأتي في موعده بعد 3 أيام ومعه الراحلتان.
عبد الله بن أريقط
ويلاحظ في هذه التشكيلة مدى الدقة في الاختيار، والاعتماد على أصحاب الكفاءات والثقات؛ فقد اختير كل فرد بعناية، ووُضع في المكان المناسب له تمامًا؛ فالأمر ليس هينًا، إنه أمر بقاء الإسلام أو فنائه.
خطة ذكية، وتفصيل مدروس، وسرية تامة، وفريق عمل ماهر، وحماسة للعمل، وتنفيذ دقيق؛ فقد عرف كل شخص دوره، وأدى مهمته، وكان التنفيذ محكمًا، والأداء رائعًا، ولم يُترَك شيء للصدفة.. ولم يبقَ إلا أن تتنزل رحمات الله.
القدرة الإلهية والجهد البشري
لقد رأينا كيف خطط رسول الله e ونفذ واستفاد من كل الطاقات والإمكانات المتاحة حوله؛ ليعلمنا أن الإسلام دين العمل والجد والأخذ بالأسباب، وكيف تدخل الفعل الإلهي لنصرته؛ ليعلمنا الله أنه مهما أخذنا بأسباب القوة والنصر، فنحن ضعفاء بدونه لا حول لنا ولا قوة.
وهكذا تسير هذه الثنائية في حياتنا، بين التوكل على الله والأخذ بالأسباب، بين الإرادة الإلهية والإدارة البشرية، بين تدبير الإله وتفكير العبد؛ فإذا أهملنا الاعتماد على الله، وظننا أن قوتنا كفيلة بضمان تفوقنا خبنا وخسرنا، وإذا أهملنا الأخذ بالأسباب، وجلسنا في بيوتنا ندعو الله أن ينصرنا ويزلزل الأرض من تحت أعدائنا.. فلن يزيدنا الله إلا خسرانا.
إن الرسول e ظل قلبه يخفق بدعاء الله وهو يرسم الخطط، ويضع الضمانات، ويهيئ الموارد والإمكانات والدفوع الكفيلة بإيصاله إلى هدفه. لم يجئ هذا الدعاء قبل التخطيط فحسب، ولا جاء بعده فحسب؛ فليس في علاقة الإرادة البشرية بالمشيئة الإلهية خلال الحدث قبلية ولا بعدية، وإنما تسير الاثنتان في انسجام رائع؛ لأن هذه من تلك؛ ولأن الإنسان في أصغر جزئيات الحركة وفي أكبرها إنما ينفذ قَدَر الله وناموسه في الأرض في مدى الحرية التي أتيحت له.
أما أن يجيء الدعاء والتوجه قبل التخطيط فحسب، أو بعد التنفيذ فحسب؛ فهو من قبيل الثنائيات التي ترفضها مبادئ السماء أشد الرفض؛ لأنها تفصل بين الله والإنسان، وتقسم حظ الطرفين في حركة التاريخ بما لا يتفق أساسًا والسنن الكبرى.
إن الرسول e هيّأ الأسباب الكاملة لنجاح الحركة وهو ينظر إلى الله، ووضع خطواته الأولى على الدرب وهو يدعو الله، وما لبثت الأسباب أن آتت أُكُلها والخطوات أن انتهت إلى هدفها، وظل الرسول e ينظر إلى الله ويدعوه، وما أحرانا في يوم هجرته أن نتمعن في هذه التعاليم في زمن طغت فيه التفاسير والأهواء، وكلٌّ قال ما عنده، شرقيًّا كان أو غربيًّا، لكن المسلمين لم يقولوا بعدُ كلَّ ما عندهم". (عماد الدين خليل: خطوات في طريق الهجرة).
فكيف بحال أمة هي خير أمة أخرجت للناس، آتاها الله أفضل كتاب وخير منهج فلم تتبعه، وآتاها أفضل الثروات وخير الإمكانات فأعطتها لأعدائها!
وأخيرًا:
هذه هي الهجرة، وهذه دروسها، وهذه نظرتنا إليها، لها انتسب التاريخ، ولها انتسب المسلمون، ولها انتسبت سور القرآن، ولها انتسب الصحابة، ولها انتسبت دولة الإسلام.
"فعفوًا رسول الله إن قصرنا أو أخطأنا ونحن نتحدث عنك في يوم هجرتك حديث المحبين الذين تحاصرهم القيود في كل مكان، وتسعى إلى سحق مطامحهم ظلمات بعضها فوق بعض؛ فيلجئون إليك مؤمِّلين أن تمنحهم المزيد من التعاليم، كسرًا ثوريًّا للقيد، واستعلاءً روحيًّا على الظلمات، وحركة إيجابية صوب المصير الفذ المتفرد.
وما أحرى الهجرة أن تكون هذا الدرس..
وألف سلام على المهاجر .. معلمِنا العظيم