تبعا لالتزامي بتوسيع قدرتي على الامتنان باستمرار لمختلف مظاهر الحياة, فإنني أتابع باستمرار مرجعيات فريدة. فمثلا قررت منذ سنوات أن أزور المشرحة في أحد المستشفيات. ونتيجة لهذه الزيارة حصلت على تجربة أساسية أدت إلى تحول في حياتي. قمت بهذه الزيارة لأن صديقي الدكتور كوفان, وهو كبير الأطباء النفسيين في ذلك المستشفى بنيويورك أقنعني بأن على المرء لكي يفهم الحياة أن يفهم الموت. وصلت وزوجتي إلى مكتبه يغمرنا تخوف شديد حذرنا الدكتور كوفان من التفوه بأي كلمة أثناء تلك التجربة وقال: (اتركا الأمور تأخذ مجراها, ولاحظا ما تشعران به, وسنتحدث حول ذلك فيما بعد) تبعنا الطبيب دون أن نعلم ما علينا أن نتوقع.

قادنا إلى جناح جثث الموتى الذين لم يتم التعرف عليهم بعد, وهي في معظمها لمعوزين يجوبون الطرقات, وحين سحب أول درج معدني وفتح سحاب الغلاف الجلدي الذي تحفظ الجثة في داخله أحسست برعشة تهز جسمي برمته هذا هو الشخص أراه معي, ولكن ما أذهلني هو شعور بالفراغ اهتزت زوجتي حين ظنت أن الجسم يتحرك, وقد أشار الدكتور فريد فيما بعد أن شعورها مألوف, وأننا جميعا نجد صعوبة في التعامل مع الأجسام التي لا تتحرك, والخاوية من نبض الحياة حين أخذ يفتح الأدراج المتعاقبة كان الشعور ذاته ينتابني مرة بعد مرة: لا يوجد أحد هنا. الجسد هنا ولكن لا يوجد شخص.

فبعد لحظات من الموت كان وزن هؤلاء الناس نفس وزنهم وهم أحياء, لكنهم مهما كانوا, أي جوهر ما كانوا لم يعد موجودا لسنا أجسادنا ذلك الجوهر الكامن للحياة والذي نسميه الروح. وإنني أعتقد أن من المهم بنفس القدر لنا أن نتذكر أننا حين نكون على قيد الحياة فلسنا مجرد أجسامنا. كما أننا لسنا ماضينا, ولا سلوكنا في اللحظة الراهنة.

منحتني هذه التجربة إحساسا لا يصدق بالامتنان للنعمة التي منحنا إياها الله تعالى, نعمة الحياة وفجأة أخذت أنظر إلى الناس الذين يعانون من مشاكل بدنية أساسية وأنا أفكر بيني وبين نفسي: (ياالهي, إنهم في صحة جيدة) ليس هنالك أفضل من شيء قليل مقابل ليذكرنا كم نحن جميعا محظوظون.

هويتنا هي حجر الأساس في تجربتنا الإنسانية, وإنني أعتقد بأن هويتنا الحقيقية هي شيء غير قابل للتحديد أو التعريف وهي أعظم من أي شيء قابل للوصف إننا روح, إننا نفس, وحين نتذكر من نحن حقا فأننا نضع كل شيء في منظوره النسبي, أليس كذلك؟ وما أن نتصرف على أساس معرفتنا بأننا مخلوقات روحية فأننا لن نقع أسرى الألاعيب الصغيرة التي تفرق بين بعضنا البعض وسنعرف بقناعة عميقة بأننا مرتبطون حقا بالإنسانية برمتها.







المرجع: أيقظ قواك الخفية
اسم الكاتب: انتوني روبنز
دار النشر: مكتبة جرير
سنة النشر: 2003
رقم الطبعة: الخامسة
رقم الصفحة: 464-466
كلمات مفتاحية: تكوين المرجعيات – الهوية – اتساع الهوية
أرسل بواسطة: داري قدور
رابط القصة: http://trainers.illaftrain.co.uk/ara...l.thtml?id=273