ان فهمنا السليم للآليات التي تقوم عليها عمليات الذاكرة وللعوامل والمؤثرات المختلفة التي

تحيط بتلك العمليات يمكن ان يسهل كثيرا من تعرفنا على الوسائل التي تساعدنا في تثبيت ما

نكتسبه من معارف وخبر. لكننا يجب ان نذكر أولا ان هذه الوسائل لا تلغي النسيان، فالنسيان،

ظاهرة طبيعية ضرورية، لكنها (الوسائل) تتوجه إلى زيادة نسبة التذكر الصحيح ومعالجة ذلك

النسيان غير الطبيعي الذي يطال تجاربا ومعارفا غير معرضة للنسيان عادة.

1- الوسائل "الذاتية":

وهي الوسائل التي يكون الشخص المتعلم هدفا لها، وتشمل:


1- الوضع الجسماني المناسب: فالإسترخاء والإضطجاع في سرير مريح (ودافيء شتاء) يقوي اغراء

النوم وطلب الراحة، ويضعف من عمليتي التحصيل والتذكر. لذلك فإن افضل الأوضاع هي تلك التي

تزيد من التوتر العضلي، وخاصة وضع الجلوس، كما في حالة الكتابة.


2- تعزيز العامل الوجداني والتشويقي:- وذلك بإيجاد ميل قوي نحو موضوع التعلم والإكتساب، لذلك:

أ*- لا تحفظ موضوعا وانت كاره له أو متضرر منه أو لا تعتقد بأهميته. وتذكر ان هناك جانبا انتقائيا في

التذكر يقدم الذكريات السارة على تلك التي ترتبط بالألم والإنزعاج.

ب*- حاول ان تضع (ثوابا) معتدلا لانجازاتك في التعلم. فإن مثل هذا الثواب يشحذ الإرادة ويقوي

الدوافع إلى التعليم ويزيد الميل نحو موضوعه. وان تقرر (عقابا) مناسبا لحالات الإخفاق والخطأ، لأن

مثل هذا العقاب يعزز من حالة الإنتباه واليقظة الأمر الذي يقلل من الأخطاء.

ت*- حاول أن تتخلص من كل انفعال نفسي (سواء كان غضبا أو خوفا أو يأسا أو قلقا...) سواء اثناء

التحصيل والتعلم أو خلال التذكر والإسترجاع.


3- تركيز الإنتباه، وأقصاء المؤثرات الأخرى، سواء أثناء التعلم (إذ تعاق عملية تسجيل المادة

المقصودة من خلال فعل بقية المؤثرات) أو أثناء التذكر (إذ تتداخل الإرتباطات).

4- تعزيز الثقة بالنفس: فعدم ثقة الشخص بقدرته على التذكير يدخل كعامل إعاقة للتذكر من خلال

تأثيره على الوضع الإنفعالي له. ويظهر تأثير هذا العامل خصوصا أثناء الإمتحانات الشفهية أو ألقاء

الخطب أو المساهمة في الإجتماعات العامة. لذلك يفضل في هذه الأحوال التركيز على موضوع

التذكر وتجنب ملاحظة ردود أفعال الحضور وأثر الموضوع عليهم، وكذلك الإبتعاد عن ممارسة النقد

الذاتي (تقييم مدى صواب التذكر) أثناء القيام بذلك التذكر.


5- إجعل لتعلمك هدفا في كل مرحلة من مراحله، وتذكر ان عدم تلمس أغراض واضحة في عملية

التعلم يفقد هذه العملية القوة المحركة الأساسية لها، كما أن تحقيق الغرض من التعلم قد يضعف

من الإحتفاظ بالمادة المكتسبة. هذه الحقيقة هي التي تجعل العديد من التدريسيين يفضلون،

بقدر تعلق الأمر بتقييم مستويات طلابهم، الإمتحانات المتعددة التي تتوزع على أيام الدوام على

تلك التي تقتصر على منتصف العام ونهايته.


6- لا ترهق نفسك كثيرا أثناء التعلم فإن ذلك يستنزف طاقة جهازك العصبي ويربك عمليات

التسجيل والإحتفاظ بالمعلومات كما أن عليك أن تضمن نوما كافيا وجيدا بعد كل فترة تقضيها في

التعلم. ولعل هذه الملاحظة تخص، أولا، الطلاب الذين يحول الكثيرون منهم أيام أمتحاناتهم إلى

فترات استنفار قاسية يضعون فيها النوم والراحة جانبا ظنا منهم أن ذلك يتيح لهم تكريس جل

وقتهم للدراسة والتحصيل، لكن كل الإختبارات والإستطلاعات تؤكد أن تحصيل هؤلاء الطلبة لا

يرتقي إلى مستوى مثيله لدى نظرائهم الذين يقتطعون من يومهم وقتا كافيا للراحة والنوم.


7- إعتمد مبادىء ثابتة لتنظيم الحياة على أساس متوازن يضمن انسجاما وتكاملا بين (الدوافع)

المختلفة لأن تصارع هذه الدوافع يؤدي إلى سرعة النسيان.

لذلك فإن التشتت وتوزيع الإهتمامات على مجالات عديدة في الوقت نفسه يؤدي إلى ضعف التعلم

وتزايد النسيان في كل من هذه المجالات.


2- الوسائل "الموضوعية":

وهي الوسائل التي تتعامل مع "موضوع"، التعلم أو مادته، وتشتمل:

1- فهم الموضوع وزيادة وضوح معاني مكوناته:

حاول أن تفهم أي موضوع قبل ان تتعلمه أو تحفظه. والمقصود بالفهم هنا تحليل النص (الموضوع)

إلى أجزاء وتفريقها إلى مكونات رئيسية وأخرى ثانية وترتيب الأخيرة حول الأولى. لأن الموضوع

المفهوم المضمون أسهل وأسرع في الحفظ والتعلم والإسترجاع من الموضوع الغامض أو الخالي

من المعنى، لأن فهم الموضوع، كما ذكرنا سابقا، يسرع من عملية تسجيله ويسهل من تذكره لأنه

يقوي عملية التداعي. فوضع كلمات متفرقة، مثلا، في جملة مفيدة واحدة أو في قصة يسهل

تذكرها، كذلك الحال عندما نرمز لمقطع خال من المعنى، مثل (د ل ر) بكلمة معروفة مثل (دولار).


2- التكرار أو "المبالغة في التعلم":

فكثرة تكرار المعلومات يضمن تسجيلا أكمل لها، من خلال توجيه الإنتباه إلى الأجزاء التي لا يتم

التركيز عليها في الجلسات الأولى، كما انه يقلل من الوقت المطلوب للإحتفاظ ويقوي هذا

الإحتفاظ، من خلال تنشيط عملية التعزيز أو الدعم، التي ذكرناها سابقا، فضلا عن انه يضمن

انتقال المعلومات من الذاكرة القريبة المدى إلى البعيدة المدى، حيث تكون أكثر ثباتا واستقرارا.

وأفضل طريقة للتكرار هي بتوزيع ذلك التكرار على أيام متقاربة لأن ذلك يضمن احتفاظا أفضل

بالمعلومات المكتسبة (راجع "الدراسة") لأن معدل نسيان المعلومات يتباطأ بمرور الوقت بحيث أن

أكثر من نصف المعلومات يفقد خلال الساعات العشر الاولى لأكتسابها، الأمر الذي يجعل من

تكرارها المستمر في يوم واحد أقل مردودا.

كما أن من الخطأ تماما حصر تحصيل الموضوع في جلسة واحدة، وهو ما يقع فيه بعض الطلاب

أحيانا بأهمالهم مواضيع الدراسة وعدم مراجعتها وترك تحصيلها إلى الأيام التي تسبق الإمتحانات

فقط مما يضعف الاحتفاظ بها. وينطبق الشيء نفسه، أيضا على المحامين والممثلين وأمثالهم.


3- التسميع الذاتي:

حاول أن تستعيد ما تحفظه وتستظهره جهادا، دون الرجوع إلى النص أو المصدر، بعد قراءته بصمت

وتأن. فذلك أسلوب أمثل للإكتساب والتسجيل لأنه يضمن الإنتباه الفعال، بدلا من التلقي

السلبي، ويقلل من فعل بقية المؤثرات، كما أنه يشرك مراكز دماغية أكثر (هي المراكز المخية

السمعية التي تنشغل بصوت التسميع، ومراكز الكلام الحركي التي تتابع عملية الترديد)- راجع

قوانين التعلم.


4- استحداث تنغيم أو إيقاع موسيقي مناسب لترديد أجزاء الموضوع:

فذلك يؤمن تحصيلا اسرع وحفظا أثبت لها. وآلية هذا التأثير لا تختلف كثيرا عن تلك التي تعمل

خلال التسميع الفعال. والأمثلة على إيجابية هذا الأسبوب عديدة، وقد سبق وان ذكرنا العديد منها.

ويشمل ذلك الإستفادة من ما توفره صياغة المادة شعرا من مزايا الإيقاع والتجميع.


5- تقليل عدد الوحدات المكونة للموضوع:

فاعادة ترتيب أجزاء الموضوع قيد التعلم وتوزيعها على عدد أقل من الوحدات يسهل كثيرا من

تحصيلها وخزنها، كما أنه يساعد على نقل المعلومات إلى الذاكرة البعيدة (حيث الحاجة إلى

ارتباطات أقل)- راجع قانون الضم. ويصح الشيء نفسه مع استعمال المختصرات، فحفظ مقطع مثل

u.k أسهل من حفظ ما يرمز اليه (المملكة المتحدة)، كما ان حفظ كلمة (اوبك) أسهل من حفظ

عبارة "منظمة البلدان المصدرة للبترول" التي ترمز إليها.


6- تأطير المعلومات:

ان تنظيم المعلومات (الأجزاء) التي يشتملها موضوع او مادة ما في أطار مخطط واضح يسهل كثيرا

من عملية تسجيلها وحفظها. فتذكر التسلسل الصحيح لمجموعة من المعلومات يصبح أكثر يسرا

إذا اعطينا كلا منها رقما معينا. كما ان (التنقيط)، أي توزيع الموضوع على نقاط يحمل كل منها جزءا

منه، طريقة معروفة في تسهيل دراسة الموضوع.


7- الإستفادة من الصور البصرية:

ان مشاهدة صورة حسية لموضوع أو عملية يسهل كثيرا عملية تسجيلها وحفظها في الذاكرة لذلك

حاول أن تتصور مشهدا حيا للموضوع الذي تتعلمه، أو أن تتخيل صور الأشخاص الذين تريد الإحتفاظ

بأسمائهم وصفاتهم، أو ان تعيد ذهنيا تمثيل أحداث القصة التي يهمك تذكرها. إن ذلك يعطي

للتطبيق دورا أساسيا في الإكتساب والتذكر.


8- حاول أن تتلمس العناصر المشتركة بين ما تتعلمه في أي وقت وما تعلمته في وقت سابق، لأن

ذلك يقوي عملية "تسهيل" تعلم الخبر والمعلومات الجديدة. فحفظ الطالب، مثلا، لدرس ما يكون

أسهل واسرع إذا ربطه بدورس سابقة ذات علاقة.


9- لفترة ما بعد التعلم أهمية كبيرة في الإحتفاظ بالخبر المكتسبة. ومن الأفضل قضاؤها في النوم

أو في القيام بأنشطة غير تعليمية (كالرياضة، سماع الموسيقى... الخ)، مع ضرورة تجنب اشغالها

في عمليات تعلم فعال خاصة إذا كانت المواضيع مشابهة.


10- تجنب التسرع في التذكر، وحاول ان تمنح المؤثر الذي يثير ذلك التذكر (كأن يكون مسؤولا م).

الفرصة الكافية لأن يستثير كل الإرتباطات الخاصة به، الأمر الذي يسهل ويضمن اختيار الإرتباط

المطلوب.


11- حاول ان ترجع المادة المطلوب تذكرها إلى ارتباطاتها الزمانية المكانية الأصلية لأن ذلك يسهل

تذكرها، كما في أرجاع بين الشعر المنسي إلى مكانه أو تسلسله في القصيدة.


12- حاول أن تختار الطريقة المثلى للتعلم:

وهي الطريقة التي تضمن اقتصادا في جهد وزمن التعلم وتكفل نسبة عالية من التذكر الصحيح:

أ*- الطريقة الكلية: - وهي الطريقة المثلى في تعلم:

1- المواد المترابطة المعنى، كالقصائد والنظريات والأحداث..

2- المواد القصيرة أو المتوسطة الطول (وتحدد عادة بـ (240) سطرا أو بيت).

3- مستوى ذكاء لا يقل عن المتوسط.


ب*- الطريقة الجزئية: وهي المثلى في تعلم:

1- المواد المتفككة الاجزاء أو التي لا معنى لها (كالمعادلات الرياضية).

2- المواد الطويلة (التي تزيد عن "240" سطر أو بيت).

3- محدودية الذكاء (الأطفال ومن هم بمستوى ذكائهم).


13- تدريب الذاكرة:

حاول ان تمرن ذاكرتك باستمرار فإن ذلك يقويها ويزيد من مرونتها. وليكن ذلك من خلال تخيل الصور

والأشكال الهندسية أولا، ثم التدرب على استعمال قوانين الترابط الفكري الأولية (كالتشابه

والتناقض، والتجاور المكاني أو الزماني، المرادفة... الخ). ثم الإنتقال إلى التدرب على تكوين

الإرتباطات غير المباشرة (من خلال تقريب معاني الأسماء الغريبة، أو التي لا معنى لها، بربطها

بمعان متوسطة). والأمثلة على مردود هذا التدريب كثيرة، ومنها مثال: شاب روسي عرف بقدرته

على استرجاع اعداد كبيرة من الأرقام (تقدر بعشرات الأرقام)، التي يحتويها جدول ما، بل وتحديد

مكان كل رقم في ذلك الجدول، بمجرد النظر إلى الجدول مرة واحدة وقد أكد ذلك الشاب أنه كان

مولعا منذ بلوغه بتمرين ذاكرته، وان طريقته في التذكر تعتمد ربط كل رقم بشيء محسوس (كأن

يكون لونا او صوتا أو رائحة... الخ) الأمر الذي يسهل عليه تذكره.

ويذكرنا هذا بالشاعر الاغريقي (سيمونيدس) الذي عرف بذاكرة خارقة نماها بالتدريب وبابتكار

طريقة تقوم على ربط الاشياء المجهولة بأماكن معروفة (من حجره أو بيت أو شارع أو مدينة...) بعد

استخدام رموز واضحة قوية (فنقطة الماء، مثلا، يرمز لها بالبحر الهائج) لتلك الأشياء المجهولة، ثم

ربط هذه الرموز بالأماكن المعروفة. وتنقل الكتب ان هذه الطريقة مكنته ذات اليوم من أن يعرف على

أفراد حضور حفل كبير بعد تمزق جثثهم واختلاط أشلائهم نتيجة سقوط سقف القاعة عليهم، فيما

كان هو يهم بترك القاعة. وقد فسر أنه تذكر مكان كل منهم في تلك القاعة قبل الحادث مباشرة.